انت هنا : الرئيسية » فكر وفن » اثر النقوش الفاطمية في عمران الحضارة الاسلامية

اثر النقوش الفاطمية في عمران الحضارة الاسلامية

rخالد عذاب

كتاب النقوش الكتابية الفاطمية والذي نشرته مكتبة الاسكندرية فاز بجائزة افضل كتاب فني حول الاثر التخطيطي في العمرانات الثقافية.
هذا الكتاب يسلط الضوء على القيم الفنية لهذه النقوش الكتابية في العصر الفاطمي، ويعرّف بها، لانها جزء من موروث ثقافي وجمالي وتصميمي، خاصة تلك بدراسة اثرها على العمائر الباقية في مدينة القاهرة، وكبداية حقيقية لمجموعة من الدراسات التي تبحث في الخط العربي، كإسهام من مكتبة الإسكندرية في إثراء الدراسات الأثرية ليس في مصر فحسب بل على مستوى العالم، وكجزء من المشروع الأكبر (رحلة الكتابة)، الذي يطوف العالم شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً مسجلاً تطور الخطوط والكتابات منذ استطاع الإنسان أن يختط بالقلم وصولاً إلى التطور التكنولوجي في مجال الكتابة.

ويعد الكتاب، بمثابة انطلاقة نحو دراسات أعمق للخط العربي؛ هذا الفن الرفيع الذي يعد واحداً من أهم إنجازات الحضارة العربية الإسلامية التي قدمتها للبشرية، تجلت فيه عبقرية الفنان المسلم، واستطاع توظيفه في أبدع صورة على جدران المساجد والمدارس، والتحف الزجاجية والأواني النحاسية، والمشغولات الزخرفية والسجاد؛ حيث تشهد الآثار الإسلامية التي وصلت إلينا حاملة هذا الفن المنمق على ما وصل إليه من رقي وإبداع.
ويبحر الفصل الأول من الكتاب، الذي قدّم له الدكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، في نشأة الكتابة العربية وخصائص الخط العربي، حيث يعتبر موضوع نشأة الكتابة العربية من الموضوعات التي أثير حولها جدال كبير من مؤرخي العرب القدامى وتتلخص آراؤهم في قولين مشهورين؛ الأول أن الخط العربي توقيف أي أنه ليس من صنع البشر، بل إن الله (سبحانه وتعالى) علمه لآدم (عليه السلام) غير أن هذا الرأي لا يقوم على حقيقة علمية ثابتة، بل وضع لتفسير بعض الآيات القرآنية. والثاني أن الخط اختراع؛ وفي ذلك رأيان أن العرب أخذت خطها عن المسند الذي عرف ببلاد اليمن، وأن العرب أخذت خطها عن الحيرة التي كانت تكتب بالخط السرياني. وأثبت البحث العلمي عدم صحة هاتين النظريتين؛ حيث تأكد الباحثون من انقطاع الصلة بين المسند والسرياني والخط العربي. وتوصل علماء الآثار والنقوش أمثال دوتي و هوبر وموزيل ودلمان وغيرهم إلى أن بعض النقوش العربية التي يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، تظهر وجود صلة ما بين الخط العربي والخط النبطي.
ويعدّ الخط العربي أحد العناصر الفنية التي أسهمت بنصيب وافر في تشكيل الفنون الإسلامية، ولم تتجل عبقرية الفنان المسلم في نواحي الفن بقدر ما تجلت في الكتابة التي ابتكر طرق كتابتها ذهنه الخلاق، ولم يستوح فيها من الفنون السابقة، ولا استلهم عناصر زخرفية كانت معروفة قبله، بل ابتدعها فأجاد وأحسن الابتكار وأطلق العنان لخياله. وكان للإسلام دور عظيم في مجال الكتابة فالقرآن كثيراً ما يشير إلى الكتابة والقلم ومن هنا أخذ المسلمون يأنسون هذه التعبيرات ويعطونها أهمية خاصة.
ويستعرض الفصل الثاني أنواع الخط الكوفي التذكاري، الذي مر بمراحل تطور مختلفة بدأ فيها بطيء التطور ولم تدركه مزايا الخط الجيد كالتفريج بين السطور والتساوي في ما بينها، إلا في القرن (الثاني الهجري/ الثامن الميلادي) وحين يتطور الخط الكوفي ينتج أنواعاً تنطق بالروعة، وتكشف عن براعة الفنان المسلم. ويمكن تقسيم الخط الكوفي التذكاري إلى الكوفي البدائي والكوفي البسيط والكوفي البسيط ذي الهامات البسيطة، والكوفي البسيط ذي الهامات الزخرفية، الكوفي المورق وأصل الزخارف النباتية بالخط الكوفي المورق، الكوفي المزهر والكوفي ذي الأرضيات النباتية والهندسية والكوفي ذي اللواحق الزخرفية الخطية، والكوفي المضفر وذي الإطار الزخرفي والكوفي ذي الزخارف المعمارية وأخيراً الكوفي ذي الأشكال الهندسية. وأطلقت على هذا النوع أسماء عدة باللغة العربية مثل: الكوفي المربع والكوفي التربيعي، والخط الكوفي المسطر؛ وتوجد بعض النماذج مختلطة من الأنواع السابقة للخط الكوفي فلا عجب أن يوجد شريط كتابي يجمع بين نوعين من الخط الكوفي، وتكون التسمية على النوع الغالب منها.
أما النقوش الكتابية في العصر الإخشيدي فهي محور الفصل الثالث الذي يركز على الفترة من 323 الى 358هـ. يلاحظ على شواهد القبور أن بعضها قبيح تذكره أصول الكتابة التذكارية وبعضها وسط بين هذا وذاك، وبعضها جار على أصول هذه الكتابة وتكثر فيه الكتابات الغائرة، إلا أن بعض الكتابات لازمتها مزايا الحسن ودقة الانجاز إلى حد كبير. ويكفي للتدليل، على تمتع الكتابات الاخشيدية بمزايا التجويد والإتقان وعلاقتهما بمراحل التجويد واتصافها بالقوة والجمال، الإشارة إلى مجموعة شواهد قبور منها شاهد مقبرة محمد بن عبدالله بن أحمد بن علي بن إبراهيم طباطبا حيث يلاحظ فيها تناسق الحروف وتميزها بالوضوح وجريانها على خطة هندسية موضوعة ولا نلاحظ تزاحماً بين الحروف ما يؤكد تمتع الكتابات الاخشيدية بالقوة والجمال. ويحتفظ متحف الفن الإسلامي في القاهرة بكثير من شواهد القبور التي تحمل ملامح الكتابات الاخشيدية والتي تشبه أسلوب نقوش مئذنتي جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي.
ويقدم الباب الثاني من الكتاب دراسة وصفية للنقوش الكتابية الفاطمية؛ حيث يفند الباحث في الفصل الأول من هذه الدراسة “النقوش الكتابية الباقية من العصر الفاطمي الأول (358-466 هـ) (968 -1073 م)”، من خلال الكشف عن العناصر الزخرفية الفاطمية في الأزهر مستعرضاً الترتيب الزمني لنقوش الأزهر الكتابية وطريقة رسم الحروف وطريقة رسم الكلمات مقدماً وصفاً للزخارف النباتية. وأيضاً النقوش الكتابية لمحراب فاطمي مبكر في جامع أحمد بن طولون، ونقش تأسيسي باسم والده الإمام العزيز بالله مدعماً ذلك بالصور الفوتوغرافية والتحليل الأبجدي للكتابات.
وفي الفصل الثاني “النقوش الكتابية الباقية من النصف الثاني من حكم المستنصر بالله” يستعرض الباحث النقوش والكتابات في الفترة من 466 الى 487 هـ (1073-1094 م) ومنها النقش التأسيسي والكتابات الزخرفية لمشهد الجيوشي والنقش التأسيسي لبدر الجمالي المحفوظ في المتحف البريطاني بلندن ونقش تأسيسي لأحد المساجد من صعيد مصر يحمل سعد الدولة سارتكين الجيوشي، والنقوش الكتابية لأبواب القاهرة الحربية وأسوارها، وكتابات محراب الأفضل شاهنشه في جامع أحمد بن طولون.
وفي الفصل الثالث الذي جاء بعنوان “النقوش الكتابية من عصر المستعلي بالله وعصر الآمر بأحكام الله” (487-524 هـ) يوثق الباحث لمجموعة من النقوش منها: نقش تأسيس مسجد باسم الأمير أبو منصور خطلخ الأفضلي، نقش مسجد الامام جعفر الصادق في القاهرة، ونقش تأسيس منبر جامع دير طور سيناء، ونقوش مسيحية بالخط الكوفي في الكنيسة الكبرى في دير سانت كاترين في سيناء، ونقش تجديد الجامع العتيق في المحلة الكبرى، وكتابات محراب مسجد الخضرة الشريفة، ونقش تجديد الجامع العتيق في المحلة الكبرى، والنقوش الكتابية في قبة الشيخ يونس، والجامع الأقمر.
ويعد الفصل الرابع توثيقاً للنقوش الكتابية الباقية من عصر الحافظ لدين الله حتى نهاية الدولة الفاطمية، ومن بينها نص تجديد جامع أحمد بن طولون باسم الحافظ لدين الله والقاضي أبو الثريا نجم بن جعفر بن عبد الله، والنقوش الكتابية في مشهد السيدة رقية، ونقش عمارة الجامع العتيق في سوهاج (الفرطوشي) ونقش تأسيس مسجد الشيخ موسى في مركز الصف، ونقشان يسجلان زيارة بعض الاشخاص للتبرك بالمشهد القبلي (مشهد بلال) في أسوان. ونقش تأسيس مسجد الأمير أبي المنصور قسطة في موضع قلعة الجبل (داخل جامع سليمان باشا)، ونقش تجديد مشهد السيدة نفيسة ومحرابها في القاهرة.
وفي الباب الثالث يقدم الباحث دراسة تحليلية بعنوان “النقوش الكتابية الفاطمية”، يقدم في الفصل الأول منها مميزات النقوش الكتابية الفاطمية من ناحية الشكل، والحق أن الكتابات الفاطمية لفتت أنظار المستشرقين منذ القرن الثامن عشر الميلادي، فبدأت الدراسات في مجال الكتابات الفاطمية على يد مارسيل أحد علماء الحملة الفرنسية 1798 – 1801 م، حين قام بدراسة نقوش تأسيس جامع المقياس (485 هـ – 1092 م) ونقش تجديد جامع أحمد بن طولون من عصر الحافظ لدين الله (526 هـ -1132 م) واختفت هذه النقوش فكانت هذه الدراسة عظيمة النفع.
وأخذت النقوش الكتابية الفاطمية أهميتها ليس فقط لأنها تساهم بشكل كبير في زخرفة العمائر والتحف وتعدد أشكالها وزخارفها ولكنها أيضاً تساهم بشكل كبير في تاريخ العمائر. وفي العصر الفاطمي أنتجت مصر نماذج رائعة من النقوش الكوفية التي لازمت العمارة وكانت عنصراً مميزاً من عناصر زخارفها، وأدى ظهور هذه الكتابات بتطورها الكبير الذي ظهرت به في الجامع الأزهر في ( 359هـ – 361 هـ) وجامع الحاكم بأمر الله إلى الاعتقاد أن هذه النقوش صناعة أجنبية وافدة على مصر من المغرب مع قدوم الفاطميين أو أنها وافدة من شرق العالم الإسلامي.
وبالنظر إلى كتابات العصر الاخشيدي المجودة يلاحظ فيها وجود أغلب الظواهر الكتابية الموجودة في الكتابات الفاطمية، مثل نقش تأسيس من مقبرة أبي محمد بن طباطبا العلوي ونقش وقفية بير الوطاويط.
ويخلص الباحث إلى أن الإسلام لم يحرم الزخرفة من كل طوائفه وملله ومذاهبه، وقام الفنان الفاطمي باستخدام الكتابات كعنصر زخرفي في كل ما أنتجه من فن، فقام بزخرفه العمائر بالكتابات التي نجدها منفذة على النماذج والأضرحة والمشاهد وعلى العمائر الحربية مثل الأبواب الحربية كما بقيت بعض الأشرطة الخشبية التي كانت تزين العمائر المدنية فيها نقوش كتابية؛ مثل: الألواح الخشبية التي أعيد استخدامها في بيمارستان قلاوون وألواح أخرى أعيد استخدامها في ضريح شجرة الدر

Comments are closed.

© 2013 جريدة البيان العراقية

الصعود لأعلى