انت هنا : الرئيسية » فكر وفن » المنهج العلمي عند مفكري الاسلام

المنهج العلمي عند مفكري الاسلام

rعبدالإله الحسني

من الطبيعي أن يقابل الفكر اليوناني لدى التيار الأول من المفكرين بالرفض، فلقد كان للاسلام الدور الكبير في صياغة وتعميق العقيدة الاسلامية في نفوسهم، بحيث نشأوا على تصور معيّن عن الكون والحياة، ينطلق من قاعدة اسلامية خالصة، وهذا ما يفسر لنا تحمّس هذه المجموعة وانطلاقها الخلاّق في جميع مجالات الحياة، فما دامت العقيدة قد احتلت من نفوسهم هذه المنزلة، فمن الطبيعي أن تلفظ هذه النفوس كل ما يتعارض ومفهوم العقيدة تلك ولقد حصلت هذه الجفوة بين هذا الجيل والفكر اليوناني، إذ تبين لهم ان هذا الفكر انطلق من تصور خاص يغاير طبيعة تصورهم، وكانت هناك جملة مفاهيم فكرية أدرك مفكرو الاسلام من خلالها طبيعة التعارض الواضح بين طبيعة الفكرين كمفهوم المكان والزمان، وجملة مفاهيم أخرى اضافة إلى رفضهم المنطق الأرسطي الذي واجه معارضة كبيرة، باعتباره علماً يتوقف إلى حد كبير على عبقرية اللغة اليونانية التي تخالف بشكل جوهري أساس اللغة العربية، وهذه اشارة إلى طبيعة الاختلاف بين “جوهر كل من الروحين اللتين أنتجتا هاتين اللغتين”.
ويرى الدكتور النشار ان العلة الأساسية في رفض المنطق الأرسطي لدى الأصوليين خاصة هي “انهم لم يقبلوا الميتافيزيقا الأرسطية لأنها مخالفة لإلهيات المسلمين. وهذا المنطق الأرسطاطاليسي وثيق الصلة بالميتافيزيقا، وكثير من أصوله يتصل بأصولها وهكذا رفضه المتكلمون. وهذه الفكرة في الحقيقة من أدق الفكر التي وصل إليها المسلمون، وهي كافية لهدم المنطق الأرسطي من وجهة نظر الاسلاميين”.
وهذا يؤكد ابتعاد الأصوليين عن الأخذ بمنطق أرسطو وممارستهم لمنهج آخر انتهوا من خلاله إلى استدلالاتهم العلمية، والعلم الذي فصلت له الأدلة والمقاييس العلمية لديهم هو القياس الأصولي، فعلى الرغم من “كثرة ما استقبل من تيارات فكرية كالمنطق الأرسطي، والفلسفة اليونانية، إلا أنك لا تستطيع أن تنسبه إلى أمة غير الأمة الاسلامية لوضوح معالم شخصيتها فيه، وفي هذا العلم تتجلى عبقرية هذه الأمة وقدرتها الخلاقة المبدعة”.
ثانياً: من خلال الدراسات المتعددة تبين أن أوليات هذا المنهج العلمي وجدت في العصر الاسلامي المتقدم لدى فقهاء الصحابة، وجدت هناك جملة أفكار ودلالات تشير إلى بعض القواعد العلمية، فهناك فكرة الخاص والعام التي وضعها ابن عباس ومارس بعض الصحابة فكرة (المفهوم) ومورست فكرة القياس كمحاولة قياس الأشياء بالنظائر، الأمثال بالأمثال، كذلك نجد أصول قواعد القياس وشرائط العلة.
إن هذه العمليات الفكرية في استنباط الحكم الشرعي تشكل بمجموعها أصل منهج القياس الأصولي، وهو منه يعتمد الدليل الاستقرائي لتعليل الحكم الشرعي وعليه فاننا لو أخذنا بأصل النشأة التاريخية لذلك المنهج فان ذلك سابق على أقدم فرض تاريخي يذهب إلى إلقاء الفكر بين المنطق الأرسطي والفكر الاسلامي.
ثالثاً: من المعلوم ان الاستقراء بمعناه الاصطلاحي يرتبط بالفيلسوف اليوناني أرسطو، فانه أول مَن نبّه إلى محتواه الفكري، وفصّل نظريته فيه وأشار بأنه عملية “اقامة البرهان على قضية كلية لا بارجاعها إلى قضية أعم منها، بل بالاستناد إلى أمثلة جزئية تؤيد صدقها”. وفيما تلا عالج أرسطو موضوع الإحصاء الجزئي لتلك الأمثلة للحصول على النتيجة، فانه انتهى إلى قضية تشبه تماماً صورة الاستدلال القياسي، فقد كانت غاية أرسطو هي الوصول إلى العلم اليقيني عن طريق البرهان والاستقراء وان البناء “المنطقي عند أرسطو أساسه في النهاية عملية استقرائية يتحتم فيها ـ من وجهة نظره ـ أن تستقصى الأمثلة الجزئية كلها، حتى تضمن اليقين، ولو إنهار هذا الأساس إنهار على أثره البناء كلّه”.
ويقصد أرسطو من إحصاء الأمثلة الجزئية معنى الأنواع لا الأفراد لأن إحصاء الأفراد من الناحية الموضوعية أمر غير ممكن، وبذلك وثق أرسطو علاقته بهذا النوع من الاستقراء لإمكان الحصول على العلم الكلي للقضية النهائية، وتلاحظ أن الصورة التي مارسها أرسطو للحصول على النتيجة تشبه تماماً صورة الاستدلال القياسي “ولذا أطلق على هذا الاستدلال القياسي الذي تذكر الجزئيات في مقدماته بالقياس الاستقرائي، لأنه قياس من حيث صورته العامة واستقراء من حيث استقصاء الجزئيات في المقدمات ولابد لصحة الاستدلال أن يكون الحد الأوسط ـ كما يقول أرسطو ـ شاملاً لجميع الجزئيات”.
وهكذا وجه أرسطو الاستقراء بمستوى الطريقة القياسية لأن “البرهنة على ثبوت المحمول للموضوع عن طريق استقراء جميع أفراد الموضوع تعطي نفس الدرجة من الجزم المنطقي التي يعطيها القياس”.
لقد أراد أرسطو من كل ذلك تحقيق العلم البرهاني الذي يعتمد على الأشكال والصيغ، والمستقل تماماً عن التجربة، وذلك لا يعني أن أرسطو قد أهمل التجربة، فانه أشار إليها باعتبارها الطريقة التي يستقر “الكلي” بواسطتها في النفس، لكن أرسطو حين عالج الاستقراء لم يميز بصورة أساسية بين الملاحظة والتجربة، واعتبره اضافة إلى ذلك مجرد معرفة محدودة يتصف بها الشباب، وانه لا يستخدم إلا للدفاع عن حجج العامة أو دحض آرائهم.
إن الطريقة التي عالج بها أرسطو مفهوم الاستقراء تمثل الامتداد الطبيعي لنزعة التفكير عند اليونان عموماً، ذلك ان الاتجاه الفكري عندهم يعتمد الاستدلال المجرد بعيداً عن التفكير العلمي التجريبي ومناهجه، الأمر الذي أدى إلى تدهور العلوم الطبيعية عندهم فأدى ذلك إلى عجز التفكير عن النهوض بمنهج علمي يقوى على كشف وتفسير قوانين الطبيعة وصياغة النظريات العلمية التي تطور المنهج العلمي.
ذلك أهم ما يتناول البحث في اطار الدائرة الأولى والتي بيّنا من خلالها موقف مفكري الاسلام من المنهج اليوناني بشكل عام ومنطق أرسطو خاصة.
أما ما يخصّ البحث في الدائرة الثانية فيقوم على محاولة اكتشاف المنهج العلمي لدى المسلمين والتدليل على الطريقة العلميةا لتي عالجوا من خلالها العلوم المختلفة.
لقد استخدم منهج الاستقراء التجريبي في وقت مبكر لدى علماء الاسلام، وكانت قد ظهرت أوليات هذا المنهج على يد علماء الأصول استناداً إلى طبيعة العلوم الشرعية التي تتطلب الوصول إلى الحكم من خلال ممارسة الطريقة الاستقرائية، وقد تنبه العلماء إلى قيمة الأحكام ومراتبها العلمية من حيث القوة والضعف تبعاً لطبيعة الظواهر أو القرائن المستقرأة، ولهذا رجحوا سلسلة من الأحكام الجزئية على سلسلة أخرى حسب طبيعة القرائن التي يشملها الحكم الشرعي، ولهذا تكلم الأصوليون في قواعد المنهج واستخلصوا من تطبيقاتهم العلمية أسساً وشروطاً كان لها الأثر البعيد في شروط وقواعد المنهج على عموم رواد المناهج العلمية، وقد امتد هذا التأثير حتى طلائع النهضة الأوروبية الحديثة، بحيث يلمس الباحث بوضوح بصمات ذلك المنهج في أبحاث علماء مناهج البحث الأوروبيين، وخاصة بيكون وجون سيتوارت مل.
وبعد انتقال المنهج إلى أيدي العلماء التطبيقيين من المسلمين شهد تطوراً كبيراً، ذلك ان هؤلاء العلماء تناولوا قواعد المنهج بفلسفة علمية تنم عن ادراك ووعي كبيرين، فأفاضوا في الحديث عن خصائصه وشروطه، ولهذا جاءت مراحل الطريقة الاستقرائية، من ملاحظة وتجربة وفروض مدعمة بالمواصفات العلمية، بالقدر الذي يتناسب ومعطيات ذلك العصر. وأشاروا إلى أن الملاحظة لمت كن مجرد مراقبة، بل وسيلة لتحقيق الغاية العلمية، من تدوين النتائج الملاحظة وتدبرها تبعاًَ للطريقة العلمية، ثم ميّزوا بين التجربة الحسية والتجربة المختبرية (العلمية)، وكانت الأخيرة لديهم هي المعيار الوحيد للتثبت في البحث العلمي، وبذلك أكدوا أهميتها ودورها في المجال العلمي، وبناءً على هذا التحديد لطبيعة التجربة سجل الاسلاميون بداية صحيحة للبحث العلمي، متجاوزين بذلك الفهم التقليدي لها في الأبحاث السابقة، وخاصة في الفكر اليوناني.
وقد مارس علماء الاسلام التجربة المختبرية أسلوباً من أساليب البحث في حصر الظواهر بغية اكتشاف سلوكها، وما زال لهذا النوع من التجاربة أهميته الكبيرة في مجال البحث التجريبي، ثم تناول الاسلاميون تقويم القضية التجريبية وما تنطوي عليه من معايير علمية، فأكدوا صدق القضية التجريبية المفردة، وإنها تؤدي نتائج صادقة مقابل القانون التجريبي المستخلص من جملة أحكام تجريبية، الذي يمتاز بنتائج محتملة ظنية، وقد أكد المنهج العلمي المعاصر هذا التمييز بين القضيتين.
ثم تناول المسلمون مسألة تقويم القضية الاستقرائية، وتكلموا عن مشكلة التعميم في الاستقراء والفجوة التي يستبطنها هذا التعميم، فأثاروا مشكلة الاستقراء وأصبحت من المشكلات العلمية التي عالجوها في بحوثهم. ولقد تصدى العديد من علماء المناهج الاسلاميين لهذه المشكلة، وبحثوها بشكل دقيق كجابر بن حيان والحسن بن الهيثم والشيخ الرئيس ابن سينا، بحيث انتهى هؤلاء إلى أن القيمة للدليل الاستقرائي لا تتعدى الظن أو الاحتمال، وان غاية ما يحققه المنهج لا يتجاوز هذا اللون من الحكم، ولهذا حصروا الاستدلال الاستقرائي ضمن مفهوم الاحتمال، وان النظرية التي تنتسب إلى هذا الحكم الاستدلالي لا تكون إلا مرجحة أو محتملة وليست ذات يقين مطلق.
لقد سجل الاسلاميون سبقاً علمياً بطرحهم المشكلة بالشكل المتقدم، وفاقوا بذلك علماء المناهج المحدثين من الغربيين.
وعلى الرغم من أن المسألة قد أثارها هؤلاء وخاصة ديفيد هيوم وستيوات مل. إلا إنها لم تكتسب الحل المطلوب في مناقشاتهم وقصروا في التعبير عن حقيقتها، ولهذا أبان علماء المناهج المعاصرون قصور المدرسة التجريبية الحديثة في هذا المجال على الخصوص.
وقد أكد مفكرو الاسلام دور الاستقراء في البحث العلمي، وانتهوا إلى الاستقراء لا يمثل سوى مرحلة من مراحل الاستدلال العقلي، وبهذا أكدوا ضرورة تطوير منهج البحث، فاستعانوا بمناهج علمية أخرى حققت لهم عملية التطوير هذه، فمارسوا منهج القياس والتمثيل والمنهج الفرضي والمنهج الرياضي.
لقد تمثل منهج القياس في أبحاث الحسن بن الهيثم وخاصة في مجال الضوء، حيث اتخذ منه أداة لاستنباط النتائج العلمية بعد التثبت منها تجريبياً، وشاع استخدام نهج التمثيل لدى جملة علماء آخرين، وقد اتسعت تطبيقات هذا المنهج فشملت حقول الفلك والطب.
وتعتبر مدرسة جابر بن حيان هي الرائدة في مجال تطوير منهج الفرض الذي أرسى على أساسه نتائج علم الكيمياء لديه، وبذلك اعتبر جابر بن حيان صاحب الكيمياء التجريبية القائمة على نظرية فلسفية.ثم طور المسلمون المنهج الرياضي ليصبح أداة قادرة على التعبير عن نتائج البحوث المختلفة ولاستخدامه في حل بعض المشكلات العلمية، ولهذا ظهرت تطبيقاته في حقول الفلك والميكانيك والضوء.وقد أدرك الاسلاميون مدى إسهام الرياضيات في تطوير البحث العلمي، وما زالت بعض المفاهيم الرياضية التي مارسوها متعارفاً عليها حتى الآن، ويعتبر تطبيق الاسلاميين للمنهج الرياضي في بحوثهم العلمية خطوة متقدمة، فاقوا بها المحدثين من الغربيين، والذين خلت مناهجهم العلمية من الاشارة إلى دور الرياضيات في البحث العلمي.
إن التتبع والتوسع في بحوث المنهج العلمي لدى المسلمين يؤدي إلى تجلي صورة المنهج لديهم والخطوات العلمية الكبيرة التي خطوها في هذا المجال، ويستطيع الباحث المنصف أن يقف على مدى الاسهام الكبير الذي حققه مفكرو الاسلام في مجال البحث العلمي، وهو إسهام يدعو إلى إجلال وتقدير كبيرين

Comments are closed.

© 2013 جريدة البيان العراقية

الصعود لأعلى