انت هنا : الرئيسية » فكر وفن » بنيــة الكتابـــة ..التألق في زخرفة المفردة وتأويلها في قصيدة الشاعرة الاردنية سماح التميمي

بنيــة الكتابـــة ..التألق في زخرفة المفردة وتأويلها في قصيدة الشاعرة الاردنية سماح التميمي

r علي لفتة سعيد

في قصيدة النثر ثمة خاصية قد تتجاوز الخاصيات الأخرى في التلقي هي تكوين صورة ومعنى في المخيلة، حتى لكأنك تشارك المنتج بصناعة قصيدة مصورة..ربما كان الشعر ذاته يتناول لحالة انبهار في التلقي والتعويض عن النقص والاحتمال في مفارقات اللغة ولكن في النثر تضاف خاصية الصورة والتفكير في كيفية صناعتها والإمساك بها قبل أن يفلت المعنى.
هذا ما يمكن أن نلاحظه في قصيدة الشاعرة الأردنية سماح التميمي التي تبحر في عوامل من التشكيل الصورة عبر بوابات متعددة أو مفاصل لنصها الذي أنتجته وحمل عنوان (المجنون وورثة البحر)
فمنذ الاستهلال تضعها التميمي أمام معاني النص الذي أرادته بوابة أولى حتى قبيل العنوان لأنه سيكون مفتاحا لأقفال متعددة.
فهي تبدأ النص بمستوى إخباري مباشر يحمل طريقة المناداة لتعلن اتكاء القصدية الموغلة في صورة شعرية مدغمة وموغلة في الوقت نفسه في تعاملها مع الإخبار الذي يرتدي المناداة للآخر( يا طربا يؤول إلى قيد وحصار )وهي هنا لا تعني القيد والخوف والحصار في محمولات الفهم الطبيعي لنبض المفردة، بل هنا ما بعد يا المنادى هو (طربا ) بمعنى الروح والتماهي والانتشاء فلا طرب بدون محمولات نفسية منتشية على الأقل أو باحثة عن الانتشاء حتى في طرب الحزن.
ومن هنا فان تأويل الاستهلال هو رغبة عاشقة كونها تركت القيد أن يوضع في يدها/المتحدثة / هي / رغم إن ما متدارك يفضح عن مخاطب هو من خلال تفكيك جملة (تعالي بلا مواعيد وى أجندات..فُكّيهِ)!
إن التميمي وهي تبني معالم نصها تحاول تشييد القصد من خلال ثنائية التخاطب والمخاطب إليه عبر (هو وهي) لإنتاج نص يشي بـ(أنا ) وهذا يعني أن عليها أن تلون المفردة لا الجملة الشعرية تارة او من خلال السؤال تارة اخرى وكلاهما يبحثان عن اتجاه سردي لتقابل المغزى مع البوح من جهة المعنى والقصد بهدف تألق الشعر ورسم صورة نثرية بإمكانها اعلان ارتفاع منسوب المخيلة من خلال دمج الصور تريد ان تعبر مناطق الوعي لدى القارئ حين تطرح عليه السؤال (كيف أجهشت بالألم دون غطاء ولكنه وقبل أن تضع علامة الاستفهام وه مستوى تعبيري تلج إلى البوح الداخلي بكلمة (تعقل)؟
إن بنية الكتابة في قصيدة التيميمي هنا تعتمد في مستوياتها على مقاطع لا يفصل بينهما سوى فراغ وهي هنا أيضا تدخل في ثلاثة مستويات هي إخبارية وقصدية وتحليلية لإملاء الفراغ أو التحول من صوت إلى صوت، وهي بهذا تدعو القارئ لمشاركتها.. ولو قرأنا وفككنا المقاطع سنجد ان بداية كل مقطع يعتمد على المستوى الاخباري بهدف جر القارئ بمعلومة الى ما سيلي من هدف المفردة بقوامها الجميل الذي يلاحق القدرة على التخيل والبحث عن شرح لأهداف مأمول منها انتاج كينونة الشعر..فلو قرانا بديات المقاطع (حين امتلأ فضاؤك أحلاما ) أو (أوقفت زوابع الجنون )ـو (وعند أول الطريق بئر )أو (البحر؟؟ هل اوقف زوابع الجنون ) وكذلك (هو محض جنون )..
وهذا ما نراه واضحا في ما يلي المستوى الاخباري في جميع المقاطع اذ تجعل دلالة المفردة الغائرة في العمق لكي تجعلها تحمل جماليات التلقي، وهذا ما يستدعي القارئ الى ان يكوّن دلالات لمعنى المفردة التي صاغتها الشاعرة من خلال تضارب صورها مع ما مخزون من دلالات قرائية سابقة. فهي مثلا تقول (النار البيضاء) او (كيف أجهشت بالألم ) أو (أول من صلى هذا الفجر هو المجنون ) وكذلك (فاحتمل البحر الهزيمة وغرق)
ان القصيدة لدى التميمي ليس منهجا للترف في تكوين صورة ابداعية، بل ايضا منح المستوى الفلسفي خاصية التواجد من خلال جمالية التلقي التي يمنحا القارئ لروح النص من الداخل، فهي تجاهد لكي يمسك بالصورة من تلابيب المفردة كونها ترسم المعنى عبر بوابات متعددة تبدأ بمنح المتلقي /الاخر معلومة التواجد في جسد القصيدة ثم تجعله يشارك في صنع السؤال لحيثيات خرائط القصيدة، لكي يجد أجوبة بعيدا عن جواب المنتج /هي/ او جواب صاحب الصوت /هو / او المنادى اليه /هي /ولهذا فان التمازج بين المستويات سيكون محصلة انتاج وعي يرسم منطقته العليا لينظر الى كل ما تحتويه المخلية من قدرة على اكتناز النص.
فهي حين تقول (منذ الريح الاولى العقيم / هل تحمل / وادا ……………) فالبناء لديها معماريا حتى في الفراغ وهذا يشي بقدرة على التلاعب بين حالتي شكل المفردة ولونها اي معناها الجديد في الصورة المتخيلة لدى المتلقي ( ان الايام مشرعة…….)
ان بنية الكتابة لا تحتمل ترك الفرشاة على طاولة المفاجأة اللحظوية بل هناك مرحلة شفاهية مرت بها الشاعرة وهي مرحلة قد تمتد الى زمن ليس بالقليل لكي تختمر بدون وعي المفردات الواقفة على قمة اللاوعي لتجد نفسها وقد وضعت معانيها في مختبر الشاعرة التي عليها هنا ان تبرز مفاتن النص بصناعة جميلة وهي صناعة المعنى والقصد..
وهذا يحتاج الى امكانية بالبلاغة وإمكانية في تحويل ملف التلقي من تلق كلاسيكي الى تلق قادر على انتاج عدة قصديات ومعان وتأويلات تختلف عما رسمته الشاعرة وهي تنثر مفردات لها مفهوم ذاكراتي ولكن رسمها محمول على دلالات جديدة مثل الحزن والحنون والهجر والانطفاء والخرافة وغيرها…
لذلك نرى انها تمنح المعرفة المباشرة لنصها وعلى القارئ ان يجمع المتناثر في سلة ليجد في اول المحمولات هو الجنون وهي مفردة بثت بين المقاطع او تكون هي علامات المستويات الاخبارية والقصدية والتأويلية ليصل الى المستوى التحليلي وهو كيف وأين ولمن ( هو الجنون ) اليس هو( محض جنون ) و( أيها الجنون ) وهي مفردة جمعت كل علامات التعقل التي ساقتها المنتجة /الشاعرة / المخطابة / المخاطب / والمتحدث / لتقول انه ( منذ الريح الاولى ) او (عند اول الطريق لذات البئر((
اعود لأقول ان جمالية النص في قصيدة التميمي لا تعمتد على مفارقة المفردة مع دلالاتها القرائية المعتادة فقط، بل على قدرتها على انتاج معاني اخرى (فكل شبيه للنزف ومحض خرافة/أوقد ريحا العرافون ) ولم تقل نفخ ريحها، ولكنها اذا تتسيد الدلالة في تهميش الاجابات على اسئلة ما تمخض عنه الاستلال وما بعده من متن تعرج على اعطاء دفعة قوية للقارئ لكي يبين اهتمام الشاعرة بقصدية جمعت فيها عصارة المعاني في سلة فهي تقول(أيها الجنون /أشعر أني أحبك / فقد هزمت العقل والبرق ومطر السوء!! /ولا زالوا يغنون لك (العتابا والميجنا ) وهو تأويل لما تعنيه الشاعرة من بوح من اسرار الروح والقلب الذي يأكل الطير منه.

هي المجنون وورثة البحر
____________________
سماح التميمي

أيتها الشاعِرَة / فِينوسْ ..يا سيِّدة الروح
يا طَرَباً يَؤُولُ إلى قَيْدٍ وَحِصار
وَضَعْتِ القَيْدَ في يَدِي ..
تَعالَي بِلا مَواعِيدٍ وَلا أَجِنْداتٍ ..فُكيهِ !
لَقَدِ احْتَرَقَ البَحْرُ ..أَوَ عَلِّميني أَلاَّ أشْتاق
حِينَ تَكونينَ بِحدِّ القَلْب
أيُّها المَجْنون / وَها هُمُ وَرَثَةُ البَحْرِ .. جِيادٌ
كَيْفَ ابتَلَعَ النِّسْيانُ غَيْبَتَكَ
وَكَيْفَ أَجْهَشْتَ بِالأَلَمِ دونَ غِطاءٍ
تعقلُ ؟!
كَيْف وَكُلُّ مَعاقِلِكَ التَهَمَتْها النِّيرانُ
حينَ امْتَلَأَ فَضَاؤُكَ أَحْلاماً ..
أَقَرَأتَ تَمَائِمَ للرُّوحِ
أَّوْ بَدَأْتَ غِناء ..أَوْ رَتَّلتَ نشيدا ً
وعند أوَلِ الطَّريق لبئرٍ
جُنَّ عِنْدَ مَدْخَلِها الحُلُمْ / العاشق ..ال …
حينَ المَطَرُ اتَّجَهَ شَمالَ القَلْبِ وَلَمْ تَشْرَب!
البحر ؟؟ هل أَوْقَفَ زَوابِعَ الجُنون
النَّارُ البَيْضاءُ / هَلْ تُوقِفُ زَوابِعَ الجُنون؟
كَيْ تَحْفَظَ وَجَعَكَ المُخَبَّأ
عِنْدَ أَوَلِ الطَّريق لِذاتِ البِئْرِ
ال تَوَقَّفَتْ عِنْدَ مَدْخَلِها
المَواعيدُ والانْتِظاراتُ .. ..ال تَطاوَلَت …
وصارَتْ نَخيلاً ..ولم تأتِ
حينَ تُطِلُّ أفروديت
هل سَتَكونُ القِصَّةُ … الأَمْس
أو الدَّهْشَة
أو الجَمرُ الذي مات في موقده
مُنْذُ الريحِ الأولى العَقيم
هل تَحْمِلُ زاداً لِرَحيلٍ آتٍ
سَيَبْدَأُ الغِناءُ .. .. ..الآنَ
فَرَتِّلْ تَهْويدَةً لِلْقِنْديلِ
لِئَلا يَنْطَفِيء
إنَّ الأَيامَ مُشَرَّعَةٌ على احْتِمالِ الهَجْرِ
فَكُلُّ حَبيبٍ كَذوب
وكل ريح ( الا الصَبا ) تُنْذِرُ بِقُدومِ الغول
هُوَ …الجُنون
فالحب النَّابِضُ في قَلْبِكَ يا غَابَةَ سِحْرٍ
هو مَحْضُ جُنون
وكل شَبيهٍ للنَّزَقِ مَحْضُ خُرافة
أَوْقَدَ ريحَها العرافون

أيها الجنون
أَشْعُرُ أني أُحِبك
فقد هَزَمْتَ العَقْلَ والبَرْقَ وَمَطَرَ السّوء !!
ولا زالوا يُغَنُّوَن لَكَ ( العتابا والميجنا (
وعلى حَدِ القَصائِدِ تَتَسَيَّد
وَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ قَلْبِك
يا نِرسيس
فَضاؤُكَ السَّماواتِ وَما حَمَلْن
في ليلة ..ليلة !! صارت أفروديت ..فرس
لا سَرج ولا لِجام
في تماثيلِ بيجْماليون…
أَوَّلُ مَنْ صَلى هذا الفَجْرَ هُو المَجْنون
تَنسّك ..ثُمَّ سَفَكَ دَمَ الغَيْمَةِ
فاحْتَمَلَ البَحْرُ الهَزيمَةَ وَغَرِق
تلك مَذاهِبُ المَجانين
شَرِبوا دِماءَ الخَفافِيش
وتَأَبَّطوا القَلَقَ وَالقَصائِدْ
وشاخَتْ قَصائِدُهُم
فَكَتَبوا الهُراءَ وَتَوَسَّدوا الرِّيح
في مَذْهَبِ المَجْنونِ ان :
السماءَ لا تُمْطِرُ أَحِبَةً ولا أَعْداء ..
تمطر ماءً ..
يا ماءَ الروحْ
ان الحُرَّ لا يَمْكُثُ في الأَسْرِ طَويلا !!!!
طويلا……..!!!!

Comments are closed.

© 2013 جريدة البيان العراقية

الصعود لأعلى